![]() |
|
خيارات الموضوع |
|
![]() ![]() الخطبة الأولى أما بعد: أيها الأحبة في الله، ويشتدّ الحر فيشتدُّ نفير الناس للاستجمام بالسفر، تحفِّزهم إليه إغراءات الدعايات والتسهيلات، ولكلٍ وجهةٌ هو مولِّيها، وأينما توجّهت تلك الجموعُ فالله هو وليُّها ومولاها، وهو يعلم سِرَّها ونجواها، ومهما أبعدتْ في أسفارها فهي لا تخرج عن ملكه، ولا تعزُبُ عن عِلمه، ولا تخفى عليه منها حركةٌ ولا نأمةٌ ولا خالجة. فإلى كلِّ من عقد عزيمةَ السفر، هذه جملةُ وصايا نذكِّر بها، عسى أن تنفعَنا وإياه، (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ) [الذاريات:55]. وإننا لنجد في قلبه من خشية الله وإجلالِه وتعظيمِ أمره والإذعانِ لحكمه ما يُغرينا بتذكيره بوصايا نجدُنا وإياه في الحاجة إليها على سواء. الوصية الأولى: فليتذكّرَ المسافرُ وقد أخذ للسفر أُهبته وأزوادَه أنَّ كلَّ زادٍ يتزود به في سفره فخيرٌ منه وأولى وألزمُ وأحرى تقوى الله، فهي الزاد الذي لا يستغني عنه مؤمنٌ في حِلٍّ ولا ترحال، وهو لزيمةُ العبدِ لا ينفكُّ عنه بحال، وتلك وصيةُ الله: ( وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ) [البقرة:197]، وهي أعظم وصية وصّى بها المصطفى صلى الله عليه وسلم ، وما وصى إلاّ بعظيم: ((اتق الله حيثما كنتَ))؛ اتق الله في السرِّ والعلن، وفي الإقامةِ والظعْن، حيث يراك الناس وحيث لا يرونك. وليعلمْ كلُّ مسافرٍ أنَّ من علامات صدق التقوى أن لا يزيده خشيةً لله حضورُ الناس، ولا يَنقصه منه غيابُه عنهم، فاستواء خشيةِ العبد لله في سره وعلانيته وفي اجتماعه بالناس وخلوته لهو من أعظم دلائل صدق التقوى، وهي من كمال خشية الله؛ ولذا كان المصطفى صلى الله عليه وسلم يدعو ربّه كثيرًا بقوله: ((اللهم إني أسألك خشيتَك في الغيب والشهادة)). فليُخلِصِ المسافرُ خشيتَه لله، وليحذرْ أشدَّ الحذرِ أن يكونَ حياؤه من الناس أعظمَ من حيائه لربه، فإن العبدَ إذا بيَّتَ المعصية عند عزيمةِ السفر أو كانت المعصية هي الباعثَ على السفر كان ذلك أدلَّ على أنه لم يمنعه من الحرام إيمانٌ ولا تقوى، وإنما هو خشيةُ الناس أو تعذُّرُه عليه. وهذا أقبحُ وأشد نكرًا ممن لم يقصد إلا سفرًا مباحًا لم يبيِّت فيه نيةً على معصية، ولم يقصدْ بالسفر أمرًا منكرًا، ثم يَعْرِضُ له، فلا يلبث أنْ ينهزمَ لإغرائه، ويقع في حبالة الشيطان وإغوائه. ألا وإنّ من أعظم ما يعينُ المسافرَ على الأخذ بوصية حبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم : ((اتق الله حيثما كنت)) أن يستشعر دقَّةَ مراقبةِ الله إيّاه، فذلك أدعى أن يستجيشَ في قلبه تقوى الله حيثُما كان ومراقبتَه في السر والعلن، وليتدبَّرْ تلك الآياتِ التي تُبين في أحسن بيان عن سعة علم الله وقربِه من خلقه، كقولِه: ( يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُور ) [غافر:19]، وقوله: ( وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ ) [البقرة:235] فمهما استتر العبد من الناس فلن يستتر من أبعاضِه التي يباشر بها المعصية، ولئن استعان بها على معصية الله فلسوف تعصيه في اليوم المشهود، لتكون عليه من الشهود. وما كان سبحانه ليعزُبَ عن علمه شيءٌ حتى يحتاجَ إلى مخبرين وشهود، ولكنه أراد أن يقطعَ عن عبادِه المعاذيرَ، ويقيم عليهم الحجة. عن أنس بن مالك قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك، فقال: ((هل تدرون مم أضحك؟)) قلنا: الله ورسوله أعلم، فقال: ((أضحكُ من مخاطبة العبد ربَّه ـ أي: يوم القيامة ـ، يقول: يا رب، ألم تجرني من الظلم؟! قال: فيقول: بلى، قال: فيقول: فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهدًا مني، قال: فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيدًا، وبالكرام الكاتبين شهودًا، قال: فيختم على فِيِهِ، فيقال لأركانه: انطقي، قال: فتنطقُ بأعمالِه، قال: ثم يُخلَّى بينه وبين الكلام، قال: فيقول: بُعدًا لَكُنَّ وسُحْقًا! فعَنْكُنَّ كُنتُ أناضل)) رواه مسلم. فإذا راقب العبد ربَّه في سِرِّه وعلنه وإقامته وظعنِه فقد حقّق مرتبه الإحسان التي هي أعلى مراتبِ الإسلام، وهي ثمرةُ معرفةِ الله وخشيتِه، ((الإحسانُ أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)). وحين تصل النفس إلى هذه المرتبة فإنها تفعل الطاعاتِ وتنتهي عن المعاصي ولو لم يكن عليها رقيبٌ من غيرها، فهي تراقبُ اللهَ في الصغيرة والكبيرة وفي السر والعلن على السواء. ولا ينسى المسلم وهو يُعظم خوفَه من الله وحياءَه منه، لا ينسى ضعفَه وإسرافه في أمره وتفريطه في جنبِه سبحانه، فلا يترددُ أن يستعينَ على ملازمةِ تقوى الله أينما حلَّ وحيثما كان بالدعاء المأثور الذي علَّمَنَاه حبيبُنا صلى الله عليه وسلم:((اللهم إنّا نسألك في سفرنا هذا البرَّ والتقوى ومن العمل ما ترضى، اللهم هوِّن علينا سفرنا هذا واطوِ عنا بُعده، اللهم أنت الصاحبُ في السفر والخليفةُ في الأهل..)). فإذا دعا بهذا الدعاء بتدبُّرٍ وحضورِ قلبٍ استشعر حينها رقابةَ الله عليه وشهادتَه إياه واطّلاعَه على نواياه. الوصية الثانية: ينبغي للمسافر وهو يطوِّف في أرجاء الأرض أن يستشرفَ في سفره مشاهدَ الاتعاظ والاعتبار والنظرِ والتفكر، فلا يدعُها تفوتُه بعد سنوحِها، فإنَّه مهما اختلفت وجهتُه لن يخلو سفرُه من بعض المشاهدِ التي تستدعي منه لحظاتِ تأملٍ وتفكُّر. فسرِّح طرْفَك ـ أيها المسافر ـ بقلبٍ متحفِّز وحِسٍّ متيقِّظ فيما أودعه اللهُ في أرضه من عجيب خلقه وبديع آياته وجميل صنعه، فإنها لو نطقت لنطقت بعظمة الله وقدرتِه، ولو شهِدتْ لشَهِدَتْ بربوبيته وقوَّتِه، ( إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ ) [يونس:6]. إن هذا النظر والتفكر مأمورٌ به كلُّ أحد، ولكن أولى الناسِ به أولئك السائحون؛ فهم أفرغُ قلبًا وأقلُّ شغلاً وأروحُ فكرًا وأنسبُ حالاً. إنَّ النظرَ في آثار الغابرين يهُزُّ القلوبَ حتى قلوبَ المتجبرين، وإن هذه التأملاتِ في مآلهم لتهُزُّ القلبَ هزًا مهما كان جاسيًا غافلاً قاسيًا. ولقد عاب الله على أقوامٍ لا يتفكرون في خلق الله، ولا يعتبرون بآثار الذين خلوا من قبلهم، وما أكثرَ الذين لا يتفكرون ولا يتذكرون، فليحذرِ المسافرُ أن يكون ممن عناهم الله بقوله: ( وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ) الوصية الثالثة: أَمَا وقد اختار كلُّ مسافرٍ وجهتَه عن إرادة واختيار ولم يُسَقْ إليها عن كُرهٍ واضطرار وكان في سعة أن لاَّ يخرج إليها، فإننا نذكِّره وأنفسنا بضرورةِ استشعارِ العزَّةِ بالإسلام حيثُما حلَّ، وأن يعتزَّ بمبادئه وقِيَمِهِ أينما كان، وأنْ يأخذَ بها على اختلاف الأحوال. وحقٌ عليه أن يستعْلِن بما أوجب عليه الإسلامُ من الاستعلان بالشعائر الظاهرة، فلْيُصلِّ الصلاة لوقتها أينما أدركته، يقيمُها كما أمرَ الله من غير حياءٍ ولا استخفاء، ولكنْ بعيدًا عن الفوضى والمضايقة. والحجابُ شعارُ المؤمناتِ العفيفاتِ الغافلات، لا تتحرَّج المؤمنة أن تمتازَ به بين النساء وإن جحظتْ إليها العيون ولمزتها الألسُنُ، فهي تدرك أنه لن يضيرَ الغمامَ طنينُ الهوام. فعارٌ على المسلمِ وقد هُديَ إلى الحقِّ أن يتحرجَ أوْ يخجلَ من استعلانِه بشعائرِ دِيْنِهِ، فالحق أحقُّ أنْ يُتَّبعَ، وهو أولى بالمجاهرة والاستعلان. إنَّ التقليد والتشبُّه لا يهبُ الضعيفَ العزَّة، ولا يردُّ للمظلوم حقَّه، ولكنه سلوكٌ يفعله المنهزمون ويوفِض إليه المرتابون، فيحتقِبون عظيمَ الإثم بما لا يحظَوْن معه بنفع أصلاً، وهذا التقليد المَقيتُ يشي بلا شك بهزيمة نفسية وضعْفِ إيمانٍ وتزعْزُعِ يقين. فارفعْ ـ أيها المسلم ـ بدينك رأسًا، واشمَخْ به أنفًا، ولا تلفَّت إلى كلِّ همَّاز لمَّاز، فما أنت بأكرم عند الله من نبيه، وهو الذي أوذي بالهمز والغمز واللمز، فما زاده ذلك إلا ثباتًا ويقينًا واعتزازًا بالإسلام. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم... الخطبة الثانية الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيما لشانه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وإخوانه، وسلم تسليما كثيرا. أما بعد: فيا عباد الله، لقد عني الإسلام بالسفر عناية فائقة، فجعل له أحكاما تخصّه من سنن وآداب وواجبات ومحرمات ومكروهات، ينبغي أن لا يغفل عنها كلّ مسافر ولا ينساها كلّ راحل ومهاجر. ثم على المسلم أن يعمر قلبه بالتقوى من الله كتب ابن السمّاك الواعظ إلى أخٍ له فقال: "أوصيك بتقوى الله الذي هو نجيّك في سريرتك ورقيبُك في علانيتك، فاجعل الله من بالك على كلّ حالك في ليلك ونهارك، وخف الله بقدر قربِه منك وقدرته عليك، واعلم أنك بعينه ليس تخرج من سلطانه إلى سلطان غيره ولا من ملكه إلى ملك غيره، فليعظم منه حذرُك، وليكثر منه وجلك، والسلام". أيها المسلمون، حقّ على كل عاقل أن يتذكّر أنه في هذه الدنيا يقطع سفرًا إلى الآخرة، وأن محطة الوصول بعد سفر الدنيا هي الجنة أو النار، وزاد هذا السفر هو التقوى التي هي ثمرة الأعمال الصالحة، (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِي يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ ) عباد الله، لقد أمركم الله بأمر بدأ فيه بنفسه وثنى بملائكته المسبحة بقدسه، فقال سبحانه: ( إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) [الأحزاب: 56]... حررت في يوم الخميس 29/6/1429هـ ![]() الموضوع الأصلي: خطبة الجمعة اليوم ((( وصايا للمسافرين ))) | | الكاتب: الداعية | | المصدر: شبكة بني عبس
|
|
جزاك الله خير على هذا الموضوع المفيد
|
يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف) | |
|
|
![]() |
||||
الموضوع | الكاتب | القسم | الردود | آخر مشاركة |
خطبة الجمعة 10-05-1434هـ بعنوان نَحنُ معكم يا أحبابَنا | الوآآفي | المنتدى الإسلامـــي | 4 | 29-03-2013 07:24 PM |
أسندت إليه الإمامة والخطابة بعد حريق الجامع الكبير .. الحواشي يلقي اليوم خطبة الجمعة | البعيد الهادي | المنتدى الإسلامـــي | 3 | 13-07-2009 04:44 PM |
((الاختبارات )) خطبت الجمعة لهذا اليوم 9/7/1429هـ | الداعية | المنتدى الإسلامـــي | 4 | 20-06-2008 07:27 PM |
خطبة الجمعة ..أما آن الأوان للتجديد ؟ | صقر الإسلام | المنتدى الإسلامـــي | 13 | 03-05-2008 12:28 AM |
القبيلة في خطبة الجمعة | قلم شفاف | المنتدى الإسلامـــي | 5 | 15-04-2007 02:39 AM |