![]() |
|
خيارات الموضوع |
|
باريس نجد وصف أمين الريحاني مدينة عنيزة بعدة أوصاف منها: مليكة القصيم، قطب الذوق والأدب، صورة لـ «مانة» (مصور فرنسي شهير)، قصة من ألف ليلة وليلة، لؤلؤة في صحن من الذهب مطوق باللازورد، السكينة مجسّدة، حصن الحرية، محط رحال أبناء الأمصار، قطب الذوق والأدب. ولكن أكثر وصف اشتهرت به عنيزة من الريحاني هو أنها باريس نجد، بل يقول: وهي أجمل من باريس… لأن ليس في باريس نخيل. وأنا كعاشق للنخيل ومحب لعنيزة، أقول صدقت أيها الريحاني. الحقيقة أن أوصاف الريحاني التي تبدو مبالغاً بها لدى البعض، بل ومديح غيره من الرحالة العرب والأجانب لهذه المدينة، لا أعتقد بأنه توصيفاً عابراً يمكننا التعامل معه بشكل جامد، بل هو في نظري انطلق من تأثر عميق، ومشاعر جياشة وصادقة، لا يستوعبها ويفهمها إلا من زار عنيزة واستضيف من أهلها الكرماء النجباء الطيبين، إضافة إلى تميز ما، يلاحظ على هذه المدينة وأهلها. وهذا ليس غريباً إذا علمنا أن عنيزة لها تاريخ من الاحتكاك والانفتاح على الآخر؛ حيث كانت تقع على طريق الحج العراقي وما يحويه من فسيفساء متنوعة من العرب والعجم الذين يحجون من خلال هذا الطريق. ومن مصاديق هذا الاحتكاك أيضاً هو أن كثيراً من أهالي عنيزة ومنذ القدم مارسوا التجارة والتنقل بين عديد من المناطق والمدن سواء في نجد أو في الحجاز والعراق والشام والأحساء والقطيف والبحرين، بل وذهبوا أبعد من ذلك وصولاً للهند. ومنهم تجار برزوا في القديم والحديث لا يتسع المجال لذكرهم. ولست هنا بصدد الكتابة عن ماضي وحاضر هذه المدينة العريقة وأهلها، بل أردت أن يكون ما ذكرت مدخلاً للحديث عن شيء من مشاهداتي الأخيرة في عنيزة، التي لعلها يستفيد منها القارئ الكريم في جميع أنحاء الوطن خاصة المهتمين بالشأن الاجتماعي الخيري والتطوعي. لقد زرت عنيزة سابقاً بشكل عابر، وشعرت بتميزها، ولكن زيارتي الأخيرة قبل أيام كانت مختلفة وأكثر عمقاً؛ حيث تشرفت بتلبية طلب لجنة التواصل الوطني في القطيف لمرافقتهم في هذه الزيارة إلى عنيزة بدعوة من الأخ الكريم فهد بن عبدالعزيز العوهلي، وهو أحد الشخصيات المعروفة بالدعم المادي والمعنوي للعمل الاجتماعي الخيري في عنيزة. فقد كانت زيارة منظمة ومجدولة اطلعنا خلالها على عدد من المناشط الاجتماعية هناك، أذكر منها مقر الجمعية الصالحية وأكاديمية الحنطي (غير الربحية)، ومركز الأميرة نورة النسائي، وكذلك مجمع الجفالي للرعاية والتأهيل التابع لجمعية عنيزة للتنمية والخدمات الإنسانية، كما اطلعنا على بعض أنشطة فتيات عنيزة من خلال برامج جمعية قطرة النسائية في سوق المسوكف، إضافة إلى مؤسسة عبدالعزيز العوهلي الخيرية؛ حيث شاهدنا واستمعنا لشرحٍ وافٍ من المسؤولين في كل من هذه الأماكن، عن طريقة عملهم وأنشطتهم وما يقدمونه من خدمات اجتماعية وإنسانية. لا أخفي سراً لو قلت إننا أهالي المنطقة الشرقية نعتقد بأننا رواد ومتميزون عن غيرنا في العمل والنشاط الاجتماعي؛ حيث لا تخلو قرية تقريباً من جمعية أو مركز اجتماعي، كثير منها انخرط لاحقاً ضمن المؤسسات الرسمية كجمعية البر وغيرها. كيف لا؟ ولدينا جمعية سيهات أول جمعية خيرية في المملكة (تأسست عام 1383هـ) وجمعية البر في الأحساء ذات العشرين مركزاً، وذات الأفكار الابداعية المميزة التي استفادت منها وطبقتها بعض الجمعيات الأخرى. ولدينا المتطوعون المتميزون المنظمون في أفكارهم وعملهم؛ حيث إن كثيراً منهم خاصة في الماضي عملوا في شركة أرامكو وتعلموا فيها طريقة العمل المنظم المعتمد على الأسس العلمية. هذا إضافة إلى الأنشطة الاجتماعية والتطوعية المتقطعة والموسمية خاصة في المهرجانات الثقافية، والمناسبات الدينية ذات الأنشطة التطوعية المكثفة والمتنوعة خاصة في القطيف والأحساء. ولكن لا أخفى سراً أيضاً لو قلت إننا وجدنا في عنيزة مثالاً رائعاً ومميزاً للعمل الاجتماعي، وإننا فعلاً في هذا الوطن بحاجة لمثل هذا التواصل والاطلاع على التجارب المختلفة والاستفادة من بعضنا بعضاً، بل والسعي للتعاون وتبادل الخبرات. ومن أهم النقاط التي أراها ميزت ودعمت العمل الاجتماعي في عنيزة حسب وجهة نظري واطلاعي المتواضع، هي: * التنسيق العالي في لعب الأدوار وتولي القضايا وتوزيع المهام، وذلك بين مختلف الجمعيات والمؤسسات والأنشطة الخيرية؛ حيث لم نلحظ تكراراً للأنشطة والأعمال والمشاريع، وهذا يدل على انعدام التنافس السلبي والغيرة و«لغة الأنا» بين العاملين في هذا المجال. * التفاني والإخلاص في العطاء المعنوي، يرافقه بذل وسخاء كبير في العطاء المادي والمالي. وهذا حسب ما أرى نابع من عمق الانتماء والإحساس بالمسؤولية تجاه مجتمعهم، والوفاء له. * المستوى المميز من التعاون وتسيير الأعمال، من قِبل المسؤولين في الإدارات الحكومية ذات العلاقة، وعلى رأسها المحافظة نفسها، والبلدية والمرور… وغيرها. بل إننا وجدنا أفكاراً وتجارب مميزة ولعلها رائدة على مستوى الوطن، حتى لدى بعض هذه الإدارات الحكومية. فعلى سبيل المثال لا الحصر، أطلقت بلدية عنيزة نداء للمواطنين بعنوان «صوّر وأرسل» ووضعت لهذا النداء إعلانات كبيرة في الشوارع تحتوي على عنوان الإرسال ورقم الهاتف المعني، بحيث يكون المواطن شريكاً للبلدية في مراقبة تنفيذ المشاريع أو في تحسينها، فهو عندما يجد خللاً ما هنا أو هناك فكل ما عليه هو تصوير هذا الخلل وإرساله بالإيميل مع ذكر بياناته. وهناك قسم خاص في البلدية لاستقبال هذه الرسائل وتحويلها للأقسام ذات العلاقة لمعالجتها. كذلك وجدنا أن بلدية عنيزة تسمي عامل النظافة رسمياً «صديق البيئة»، وأن هناك تكريماً دورياً لصديق البيئة المميز، أمام جميع زملائه. ولا يخفى على أحد ما هو التأثير الإيجابي لمثل هذا الفعل على نفسية ومعنويات وإنتاجية عامل النظافة هذا، (أو عفواً صديق البيئة) وزملائه في هذه المدينة. والحقيقة أن كل هذه الأفكار والتجارب ومثيلاتها إنما في النهاية تعود بالإيجاب على المواطن والمجتمع نفسه في هذه المدينة. لذلك لو أردت العودة مرة أخرى لمقاربة الريحاني بين باريس وعنيزة، فإنني سأقاربهما هنا من ناحية أخرى، ألا وهي العمل الاجتماعي. فإن كانت باريس اشتهرت بمراكز الخدمات الاجتماعية «SSDP» الموزعة في عشرين منطقة داخل باريس، أو اشتهرت بمكاتب الإيواء العاجل والدائم «PSA»، وغيرها كثير بالطبع من الأنشطة الاجتماعية. فإننا هناك نتحدث عن عاصمة أوروبية يصل عدد سكانها إلى 2.5 مليون نسمة، بينما عنيزة مدينة لا يتعدى عدد سكانها 180 ألف نسمة، ومع ذلك فيها 16 جمعية ومؤسسة اجتماعية خيرية ! وفي الختام لا أنسى الإشارة إلى أننا في هذه الزيارة حضرنا «ثلوثية العوهلي» واجتمعنا فيها بعدد من رجالات ومثقفي عنيزة، ودارت بيننا حوارات ممتعة، أعطتنا صورة مشرقة عن مدى اطلاع وثقافة وانفتاح أهالي هذه المدينة المباركة. فشكراً لعنيزة وأهلها على هذه الاستضافة الكريمة، ولا يستغرب الكرم من أهله. فإننا وجدنا في أهالي عنيزة كرم العربي الأصيل وسماحة أهل النخيل . -http://www.alsharq.net.sa/2014/04/09/1117419
|
|
|
يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف) | |
|
|
![]() |
||||
الموضوع | الكاتب | القسم | الردود | آخر مشاركة |
صور من باريس نجد | الوآآفي | منتدى الصوروالفيديو والسفر والسياحه | 4 | 25-03-2014 09:34 AM |
الكاتب خالد الغنامي يعلن اليوم وداعه (الليبرالية).. ويصفها بأنها (بوابة لكل عدو) | أبو أنس البرجس | المنتدى العــــــــــــــــام | 4 | 11-03-2012 12:43 AM |
مفاوضات ثلاثية تقرب النصر من خالد الغامدي .. ومليونا ريال حجر عثرة ..وعنتر يرتق الدفا | مساعد الشويلع | منتدى الرياضه والشباب | 3 | 16-07-2011 03:01 AM |
من باريس | عاشق الريم | منتدى الصوروالفيديو والسفر والسياحه | 5 | 13-01-2011 10:13 PM |
سعد الحارثي حامي عرين النصر ( صورة ) ^ | جومانة | منتدى الرياضه والشباب | 3 | 29-07-2009 12:22 AM |