|
|
خيارات الموضوع | ابحث بهذا الموضوع |
|
|
هناك في آخر زوايا القلب ثمة أشياء خالدة لا تموت ستظل ملتصقة بك وتعود اليك كلما انهكتك الحياة.. اماكن..اغنيات..رسائل وأشخاص
|
|
|
صندوق الرسائل لم يكن الشوق يومًا طريقًا مستقيمًا، بل كان سكة قطار تمتد بين الأمس واليوم، بين ما نعيشه وما تركناه خلفنا ظنًا أنه انتهى. في صباحٍ مائل إلى البرودة، وقفت عند رصيف المحطة تحمل حقيبةً جلديةً صغيرة لم تكن فيها سوى معطفٍ خفيف، وكتاب لم تفتح صفحته الأولى، ووشاحٍ كحلي احتفظ برائحة عطرها القديم. كانت ترتدي فستانًا بلون الزيتون، ومعطفًا بيج طويلًا، وحذاءً بنيًا بسيطًا. جمعت شعرها في ضفيرة مرتخية، وكأنها لم تهتم هذه المرة أن تبدو جميلة لأحد… إلا لذاك المكان. حين أعلن المذيع وصول القطار، شعرت أن قلبها هو من تحرك أولًا، أما قدماها فقد تبعتاه بصمت. جلست بجوار النافذة. كانت تحب المقاعد الملاصقة للزجاج، لأنها تمنحها عذرًا للنظر بعيدًا حين تمتلئ عيناها بالدموع. أمامها جلس رجل مسن يطوي صحيفة ورقية بعناية، وكأنه يطوي سنوات عمره معها. وعلى المقعد المقابل كانت طفلة تلتصق بالنافذة، ترسم بإصبعها على الزجاج الضبابي بيوتًا صغيرة وقلوبًا غير متساوية. ابتسمت الفتاة. تذكرت أنها كانت تفعل الشيء نفسه قبل سنوات… في الطريق ذاته. تحرك القطار. بدأت المدن تتراجع ببطء، ثم الأشجار، ثم المباني العالية، حتى لم يبقَ سوى حقولٍ واسعة تركض بجوار السكة، وأعمدة كهرباء تعدّ الثواني بصمت. أخرجت هاتفها. فتحت قائمة المحادثات. كان اسمه ما يزال هناك… آخر رسالة منه مضى عليها أعوام. لم تحذفها يومًا، ولم تجرؤ يومًا على الرد. أغلقت الهاتف سريعًا، كأن الكلمات القديمة ما زالت ساخنة. “اخبريني كيف انساك؟” كان هذا آخر سؤال كتبه. ولم تعرف حتى اليوم إن كانت الإجابة نعم… أم لا. مرّت مضيفة القطار تبتسم وتسأل الركاب عن القهوة. طلب الجميع شيئًا. أما هي فاكتفت بكوب ماء. كانت تخشى أن تشرب القهوة فيوقظ مذاقها ذاكرةً أخرى. كل شيء في الرحلة كان يشبه الماضي؛ صوت عجلات القطار وهي تضرب القضبان بإيقاع ثابت، رائحة المقاعد القديمة، صفير الريح حين يدخل من نافذةٍ لم تُغلق جيدًا. حتى قلبها… كان ينبض بالإيقاع نفسه الذي تركته عليه منذ سنوات. حين أعلن القطار وصوله، شعرت أن المسافة التي قطعتها لم تكن مئات الكيلومترات… بل عشرات السنين. نزل الركاب جميعًا مسرعين. أما هي، فبقيت لحظة عند باب العربة. كانت قدماها تعرفان أن النزول هذه المرة لن يكون ككل مرة. حين وطئت أرض المحطة، لفحتها رائحة التراب المبتل. الرائحة نفسها… لم تتغير. لكنها هي التي تغيّرت. نظرت حولها. المقهى الصغير ما زال في الزاوية. البائع الذي كان يبيع الذرة اختفى. المقاعد الخشبية استُبدلت بأخرى معدنية. لكن الغصة… الغصة بقيت في المكان نفسه، تنتظرها. وقفت دقائق طويلة. كانت تشعر أن قلبها تأخر عن النزول من القطار. استأجرت سيارة قديمة أقلّتها إلى القرية. كان الطريق يمر بين حقول القمح التي أخذت لون الذهب. النوافذ مفتوحة. هواء الريف يحمل رائحة النعناع البري والتراب وأشجار التين. كل منعطف كان يقول لها: “أنتِ تعرفينني.” وكل حجر على الطريق كان يهمس: “تأخرتِ كثيرًا.” حين ظهرت القرية من بعيد، شعرت أن الزمن يتباطأ احترامًا لها. المئذنة ما زالت تعانق السماء. البيوت الحجرية الصغيرة ما زالت متكئة على التل. وشجرة التوت الكبيرة… كبرت وحدها. ترجلت من السيارة. لم تستطع المشي بسرعة. كانت تخاف أن تصل قبل أن تستعد ذاكرتها. ثم… رأته. البيت الصغير. بابه الخشبي الأزرق الذي بهت لونه. النوافذ ذات الإطارات البيضاء. والشرفة التي كانت أمها تضع عليها أصص الريحان. اقتربت ببطء. مدّت يدها ولمست الجدار. باردًا… كما لو أنه ينتظر أحدًا منذ زمن. ثم وقعت عيناها على صندوق الرسائل. الصندوق الحديدي القديم… الذي كان يضحك كلما امتلأ بالرسائل. فتحته. ببطء شديد. كانت داخله رسائل كثيرة. مغلفات صفراء، وأخرى بيضاء، وبعضها تآكلت أطرافه. كل رسالة تحمل اسمها. بخط اليد نفسه. الخط الذي كانت تستطيع تمييزه بين ألف خط. ارتجفت أصابعها. جلست على عتبة الباب. أخذت أول رسالة. ثم الثانية. ثم الثالثة. لم تفتح أيًّا منها. كانت تعرف مضمونها قبل أن تقرأها. كان يعرف كيف يكتب الشوق. ويعرف كيف يخفي وجعه بين السطور. أما هي… فلم تعرف يومًا كيف تكتب الاعتذار. ولا كيف تشرح أن الحياة أحيانًا لا تمنحنا حق الاختيار. لقد غيّرتها الأيام. تبدلت المدن. تغيرت الوجوه. وامتلأت حياتها بطرق لم تكن تخطط لها. كانت تود أن ترد على كل رسالة. أن تخبره أنها لم تنسَ. أن تخبره أن الغياب لم يكن خيانة. بل كان قدرًا أثقل من قدرتها على المقاومة. لكن بعض الرسائل… إذا تأخر الرد عليها سنوات، لا يعود ينقصها جواب… بل ينقصها الزمن نفسه. أعادت الرسائل إلى الصندوق برفق. وأغلقته كما لو أنها تغلق باب قلبها مرةً أخرى. وقبل أن تغادر، مررت أصابعها على غطائه وهمست: “سامحني… لقد وصلت متأخرة، متأخرة إلى المكان… ومتأخرة إلى الحياة التي كانت تنتظرني هنا.” ثم التفتت إلى الطريق. ومشت ببطء. خلفها بقي البيت صامتًا. وبقي صندوق الرسائل ممتلئًا بالكلمات التي لم تجد طريقها إلى جواب. أما قلبها… فأدرك أخيرًا أن بعض القرى لا نسافر إليها لنستعيدها، بل لنعرف أنها ستظل تسكننا… حتى وإن لم نعد نسكنها
|
| يتصفح الموضوع حالياً : 8 (0 عضو و 8 ضيف) | |
|
|
مواضيع مشابهة
|
||||
| الموضوع | الكاتب | القسم | الردود | آخر مشاركة |
| تبًا لكُم مِنْ عَّربْ / بِقلمي | شُقوقِ الجُنون | المنتدى الأدبــــــــــــي | 12 | 10-04-2012 11:27 AM |
| وَرَدّ تَتَدَلَىْ مِنْ عَنَاقِيدِ الرُوحِ | الرساله | المنتدى العــــــــــــــــام | 2 | 30-03-2011 04:04 PM |
| ~ الحَلقَةُ الآوَلـَّىَ مِنْ إِضَاءَتٍ عَبْسِيَة ~ | العبسي الغامض | منتدى ملتقى الاعضاء | 58 | 31-01-2011 04:35 AM |
| الحَذَرْ مِنْ قَتْلِ البَعُوُضْ عَ الجِـسِـمْ ..... | شاعر وصادق مشاعر | منتدى الصحه والتغذيه | 6 | 23-05-2010 06:12 PM |
| //.. نَزَعْتُهـآ مِنْ الظْلآم ..// بــ ريشتي | شهاليل | منتدى الصوروالفيديو والسفر والسياحه | 20 | 08-07-2009 01:06 AM |