(خاص):
هذا تحقيق لم نحتج فيه إلى جهد خارق. فجميع ما سيرد فيه، هي معلومات وجدناها منثورة على شبكة الإنترنت على هيئة قطع "ليغو" أو أحجية أو شذرات مُرسلة. وكل ما احتجناه، هو إعادة تركيب أحجار "الليغو"، وتشغيل بعض الجهد "التفسيري" في فك الأحجية، لتغدو الشذرات المهملة "إطاراً" لصورة وجدناها مثيرة، أو في الأقل فيها ما هو مثير ويستحق الوقوف عنده.
كانت البداية، هو ما أثاره الخبر الذي نشرته "مرآة البحرين" أمس، نقلاً عن صحيفة "آخر لحظة" السودانية، بخصوص "الهجرة المنظمة التي تسري في أوساط قبيلة الرشايدة (المعروفين أيضاً ببني عبس) من السودان إلى البحرين" - وذلك حسب التعبير الذي استخدمته الصحيفة -، وردود الفعل المختلفة على ذلك. وبين الردود التي وجدناها، تلك المداولات المختلفة التي حاولت وضع الأمر في سياق موجة "التجنيس السياسي" التي تشهدها البحرين منذ حوالي العقد من الزمان. بيد أن الأمر، مثلما وجدنا من خلال البحث، يتعدى هذا الشيء إلى حد بعيد.
ولعل السؤال الذي لم يخطر على بال أحد: لماذا قبيلة "الرشايدة" تحديداً، وليست أي قبيلة أخرى غيرها؟ ففي معرفة ذلك كثير مما قد يذهب العجب، حتى وإن لم يكن بالضرورة مدعاة إلى ذهاب الغضب! إجابة على هذا السؤال، قد يكون مفيداً إلى القاريء أن يعرف المعلومات التالية:
- أن قبيلة "الرشايدة"، هي واحدة من القبائل العربية العريقة ذات التاريخ القديم الضارب في شبه جزيرة العرب. وقد أقامت فيها قديماً في الحجاز على ساحل البحر الأحمر، إلى جانب كثير من العشائر والقبائل العربية الأخرى. وبينها عشائر "العتوب" التي تنتمي إليها أسرة آل خليفة التي تحكم البحرين. بل أن المستشرق الإنجليزي هارولد ريتشارد باتريك ديكسون يذكر في كتابه "عرب الصحراء" أن "العتوب" ما هم إلا أحد فخوذ "الرشايدة". وكذلك بالنسبة إلى "الصباح" (1). وكدلالة على هذه الرابطة العميقة، نعثر على هذا البيت من الشعر الذي يعود إلى الشيخ مبارك الصباح الذي يعرف ب"أسد الجزيرة" الذي قرضه في العام 1900ميلادي: "الصباحي رشيدي والرشيدي صباحي، خوّةٍ ماتبيدي بالرخا والصياحي" (2).
- أن قبيلة "الرشايدة" من بين القبائل العربية النادرة التي يسمح لها التمتع ببنى قرابة مع العوائل الحاكمة في الخليج. وبين ذلك مصاهرات واسعة مع آل خليفة (البحرين) وآل الصباح (الكويت) وآل سعود (السعودية) وآل ثاني (قطر).
وضمن هذه المصاهرات يمكن الإشارة إلى: زواج الشيخ ناصر بن شهري المهيمزي "الرشيدي" من بنات مبارك آل الصباح، الذي سلفت الإشارة له باسم "أسد الجزيرة". وزواج الشيخ عبدالله الدبي المهيمزي "الرشيدي" من بنات مالك الصباح. وزواج أبناء زبن وجلوي العربيد "الرشيدي" من إحدى بنات أمير الكويت الراحل جابر الأحمد الصباح. وزواج الشيخ أحمد الجابر والد أمير الكويت الراحل من بنات الوشيتان العوني "الرشيدي". وزواج الأمير نايف بن جابر الأحمد الصباح من بنات مطلق الحمد العجرمي "الرشيدي". وزواج الشيخ فهد الصباح من بنات الأمير حبيب مناور المسيلم "الرشيدي". وزواج ابن عم أمير قطر الشيخ حمد آل ثاني من بنات الدويلة العوني "الرشيدي" (3).
- الأهم من كل ذلك، هي هذه المصاهرة النوعية ذات المغزى العميق، والتي يمكن أن تضيء لنا جانباً مما أطلقت عليه صحيفة "آخر لحظة" السودانية: "الهجرة المنظمة لقبيلة الرشايدة من السودان إلى البحرين"، وهو الخبر الذي أثار تسريبه من قبل المرشح السابق للمجلس التشريعي بولاية نهر النيل مصلح علي محمد نصار، ردة فعل غاضبة من قبل ناظر عموم "الرشايدة" عضو البرلمان السوداني أحمد حميد بركي، والتي وصلت إلى حد "تهديده بالقتل" مثلما أشارت إلى ذلك صحيفة "سودان نيوز" (4). قبل أن تنفرد بعد ذلك صحيفة "آخر لحظة" بالوقوف على أسباب هذا الغضب.
أما المصاهرة ذات المغزى فتتعلق بكون الجناح الذي ينتمى إليه الملك الحالي حمد بن عيسى آل خليفة يرتبط ببنية قرابة خاصة، بل من النوع اللصيق جداً، مع قبيلة "الرشايدة". فإحدى أخوات الملك متزوجة من أحد أبناء قبيلة "الرشايدة"، المعروف بجلوي العربيد "الرشيدي"(5).
يتبع >>>>