ثم لما ذهب الى الكويت، بعد التحرير واستقبل استقبال الابطال، وهو الذي غادر الكويت جنديا عاديا قبل اكثر من عقدين من الزمن، القى قصيدة يغازل فيها الكويت مطلعها:
زبنتي يا بعد روحـي زبنتـي
صحيح إن كنت أو ما كنت كنتِ
اضمك من ضلوعي في ضلوعي
ومن قلبي على قلبـي سكنـتِ
وهكذا استمر خلف ينسج موقف الشعور العام على هيئة قصيدة مدوية، تحفل بالدفاع عن مواقف الدولة والرد على تحديات الآخرين الموجهة ضد الوطن.
على ان ميزة خلف الاخرى، والتي يراها البعض جزءا رئيسا من جاذبيته، هي قدرته المدهشة على حفظ قصيدته عن ظهر قلب، حيث لا يلقي الشاعر ابدا شعره من ورقة مكتوبة، بل يهذها هذا، بطريقة انفعالية مؤثرة، وبلهجة تحمل صفاء الانتماء المحلي، وتوحش الصحراء النبيل، وسهولة التوصيل ايضا..
اصبحت قصيدة خلف بن هذال تقليدا سعوديا سواء في موسم الحج (قصيدة منى) أو في مهرجان الجنادرية، او في المناسبات الطارئة، مثل حرب الكويت، او احداث الارهاب. اصبحت تقليدا منذ 1965 حينما القى اول قصيدة له في منى في مناسبة الحج، وكان حينها جندياً في الحرس الوطني أمام الملك فيصل، وقد ألقاها بعد الشاعر المكي الفصيح احمد الغزاوي.
خلف يعتز كثيرا بالاوبريت الذي كتبه في مهرجان الجنادرية سنة 1995 (دوله ورجال)، الذي لحنه عبد الرب إدريس وغناه محمد عبده، وطلال مداح، وسلامة العبد الله، وعبد المجيد عبد الله، وراشد الماجد.
هناك جانب غنائي واضح في خلف، سواء في مفرداته المتراقصة والتي تعمد احيانا إلى التلاعب باللفظ الواحد على اكثر من معنى وبجرس قوي، او حتى في شعره المغنى، كما في اغنية «يانار شبي من ضلوعي حطبك» التي غناها المطرب الكويتي محمد البلوشي، او في اغنية «يا حبيبي ترا القلب بعدك سرح»، التي غناها المطرب القطري علي عبد الستار.
الجانب الوطني في خلف بن هذال هل يعني ان خلف انتقل الى سوية اخرى، غير سوية الشعر العامي الكلاسيكي واغراض الشعر الكلاسيكي المعتادة والتي تتمحور حول الفخر بالقبيلة او العائلة؟!
الدكتور سعد الصويان احد المتخصصين السعوديين بالانثروبولوجيا والادب الشعبي يقول: «اعتقد ان خلف يمثل جسرا بين شاعر القبيلة وشاعر الدولة». ويضيف: «هو شاعر محاورة او «قلطة» قوي، وهو حين يدخل هذا المجال فإنما يدخله بشروط شاعر القلطة، اي بوصفه شاعرا ينافح عن قبيلته وهو فحل في هذا الجانب».
ويتابع الصويان: «لكنه حينما يلقي قصيدة في محفل مثل الجنادرية، فإنه يظهر على اساس انه شاعر دولة، ومن هنا فهو يمثل او يلخص الحالة الانتقالية من مركزية القبيلة الى مركزية الدولة، ومن هنا ايضا يظهر تطور خطاب خلف الشعري في هذا المجال، لأن الدولة كتنظيم، متقدمة على القبيلة كثيرا، فوجب ان يتوازى الخطاب الشعري مع هذا المستوى».
واضاف الدكتور سعد: «نموذجية خلف وحالته في تقديري ستستمر لتوفر شروط استمرارها، اضافة الى انني لا اعتقد أن هناك لحظات مضمحلة في التطور الاجتماعي، بل هي دورات وحلقات مترابطة دائرية».
إذن، هذا هو خلف.. الذي شغل المتابعين منه الجانب الحماسي، لكنه يقول متحدثا عن ألمه الخاص البعيد عن ضجيج السياسة في إحدى لحظات بوحه:
لو المناوي تنفع أهل المنـاوي
ما صار في قلبي حزازات وفلوق
منقول
لندن: مشاري الذايدي - جريدة الشرق الأوسط
ودنا في تعليقكم على مقالة الاستاذ : مشاري الذايدي